تقرير الاتجاهات الاقتصادية السنوي لمركز الأهرام يطالب
بتدخل الدولة لتحقيق العدالة الاجتماعية ويؤكد: البيانات الرسمية متضاربة والحكومة
تحرص على تقديم معلومات صحيحة أيام الانتخابات فقط
يرصد تقرير الاتجاهات الاقتصادية السنوي
لمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية لعام 2010 بالدراسة والتحليل العديد
من القضايا الاقتصادية والسياسية فى مصر والعالم العربي وعلى رأسها الأزمة المالية
العالمية وتأثيرها على مستقبل الرأسمالية والذي أكد أنها ظاهرة تاريخية وليست نظرية
علمية، وهو ما يعنى أنها يمكن أن تتغير كما تتغير الظواهر التاريخية أو الاجتماعية،
إلا أنه أكد أيضا أن التوسع فى اقتصاد السوق دون دولة قوية وقادرة وكفء هي كسيارة
تسير بلا كوابح (فرامل) فى طرق بلا علامات أو إشارات للمرور، كما أن تراجع دور
الدولة غالبا ما يؤدى إلى اتساع فى الفروق بين مستويات الدخول والثروة للمواطنين.
وأشار التقرير الذي يرأس تحريره الدكتور أحمد السيد النجار ويصدر سنويا إلى أن
الأصل فى اقتصاد السوق هو أن الأفراد يقومون أساسا بالنشاط الإنتاجي ولكن الدولة
عليها أن تكمل هذا الدور فى المجالات التي لا تصلح لها السوق أساسا مثل السلع
العامة أو الإستراتيجية أو تتدخل بالمشاركة والدعم فى السلع "الاجتماعية" كما تتولى
أيضا القيام بالمشروعات الإستراتيجية. وطالب التقرير الذي صدر تحت عنوان "الاتجاهات
الاقتصادية الإستراتيجية 2010" بمزيد من تدخل الدولة لتحقيق العدالة الاجتماعية
وبدرجة أكبر لتحقيق الاستقرار المالي والاقتصادي بوضع سياسات لتحقيق الاستقرار
الاقتصادي والمالي، بما يحقق مفهوم "اليد الخفية" المحركة للسوق وهى تعنى استثارة
أنانية البعض لتحقيق أرباح وأثناء ذلك يستفيد المستهلكون الآخرون، مشيرا إلى أن شرط
الكفاءة فى اقتصاد السوق هو ضرورة توافر درجة معقولة من المنافسة، أما مع غلبة
الاحتكار فإنه لا يوجد ضمان على السوق تحقق الكفاءة بتوفير الإنتاج بأقل تكلفة،
وبالتالي تصبح رقابة الدولة ضرورية لحماية الأسواق من تعسف المحتكرين. ثم أفرد
التقرير فصلا عن الاقتصاد العربي فى ظل الأزمة خصوصا ما يتعلق بحركة أسعار النفط
وتأثيرها على الاقتصادات العربية، كاشفا أن الوطن العربي هو الأكثر إصابة بالبطالة
والأعلى استيرادا للعمالة الأجنبية، خصوصا مع ما تعانيه الدول العربية من نقص
للبيانات الاقتصادية الواضحة، ولفت التقرير إلى أن الديون الخارجية للدول العربية
مازالت ترتفع حتى بالنسبة للدول النفطية ودلل على ذلك بما حدث فى أزمة دبى. وركز
التقرير فى فصل منفصل على العلاقة بين الفساد والشفافية، من خلال دراسة الأطر
القانونية وآليات المكافحة ونماذج من وقائع الفساد فى الوطن العربي، وحدد التقرير
أهم أسباب الفساد فى ضعف الشفافية وغياب الإفصاح عن المعلومات الخاصة بالدولة
وأعمالها الاقتصادية وأمورها المالية مما يمكن المسئولين الحكوميين وكبار الموظفين
من اختراق القانون والإخلال بالالتزامات الوظيفية بغرض تحقيق الكسب غير المشروع
بدون الإفصاح عن المعلومات التي قد تدينهم، بالإضافة إلى ضعف أو غياب المساءلة
الحقيقية للمسئولين السياسيين والإداريين بالدولة والأجهزة الأمنية والهيئات
المحلية بها. وقال التقرير إن المنطقة العربية هي نموذج لنمو الفساد واستشرائه،
مشيرا إلى أنه رغم الخطاب الإعلامى يشير واقع الحال بجلاء إلى أن الفساد بأنماطه
المختلفة (الإداري والمالي والسياسي) قد توطن فى المنطقة العربية لدرجة يصعب معها
اقتلاعه، بعدما تحول إلى بنية مؤسسية متكاملة لديها القدرة على إعادة إنتاج ذاتها
بغض النظر عن سياسات وبرامج الوقاية والمكافحة.وأصبح الفساد لا يقتصر على تغول
النخبة الحاكمة أو تحايل الفقراء لمواجهة الفجوة بين الأغنياء والفقراء فى ظل
الانسحاب المتزايد للدولة عن التزاماتها، بل أصبح الفساد إحدى آليات الاقتصاد
الأساسية فى الغالبية العظمى من المجتمعات العربية، وقدم التقرير نماذج عديدة
للفساد فى المنطقة العربية. ثم تحدث التقرير عن الوضع فى العراق وطرح تساؤلا حاول
الإجابة عنه، وهو هل يعود النفط العراقي إلى أحضان الشركات الغربية؟ وأفرد التقرير
فصلا عن الاقتصاد المصري، بدأه بالإقرار بأنه كلما اقتربت الانتخابات سواء
البرلمانية أو الرئاسية تتزايد أهمية تقديم صورة موضوعية تنتصر للحقيقة والعلم
ومصلحة الوطن فيما يتعلق بأداء الحكومة على الصعيد الاقتصادي ومدى وفائها بتعهدات
الرئيس مبارك والحزب الوطني كمعيار للحكم عليهم قبل الانتخابات. وقال التقرير إنه
يمكن بسهولة رصد حالة فجة من حالات تضارب البيانات بين الجهات المختلفة الرسمية
والتي تضعف مصداقية البيانات الرسمية فى مصر، خصوصا ما يتعلق بحسابات الناتج المحلى
والبيانات الاقتصادية الأخرى والتي هي أساس موضوعي للحكم على أداء الحكومة، وقدم
التقرير تحليلا لأسباب استمرار تضارب البيانات بين المؤسسات المصرية. ثم تحدث
التقرير عن الموازنة العامة للدولة، محاولا أن يجيب عن عدة أسئلة أهما من يمول
الميزانية؟ ومن يستفيد منها؟ وكيف يمكن إصلاح نظام الأجور المصري؟، كما ناقش سياسات
الحكومة فى تسعير الحاصلات الزراعية والتركيب المحصولي فى مصر، وكذلك أثر السياسات
الاقتصادية على أوضاع العمال ومكاسبهم وإنتاجيتهم، مؤكدا أن السياسة الاقتصادية
المنحازة لفئات معينة تتسبب فى إيقاظ إضرابات العمال، وكذلك تأثير الحرص المطلق على
جذب المستثمرين وتقديم حوافز سخية لهم دون الاستعداد للعواقب الوخيمة لذلك، خصوصا
فى غياب سياسة واضحة للأجور والتأمينات والتنظيم النقابي، مؤكدا أن السياسات
الاقتصادية التي عمدت إلى تحفيز الاستثمارات بتخفيف شروط العمل وتجاهل الكثير من
حقوق العمال لا يمكن أبدا أن تحقق تنمية حقيقية وإن تمكنت من تحقيق ربح سريع. كما
ناقش التقرير الاقتصاد الدولي، بعد عامين من الأزمة العالمية وفى ظل انفجار الأزمات
الأوربية المتعددة وتأثيرها على التجارة الدولية، وتغير ترتيب القوى الاقتصادية
الكبرى وتأثيرها على العملات الدولية خصوصا على الدولار على أساس أنه عملة الاحتياط
الدولية لمعظم الدول، وتطرق التقرير بالدراسة للاقتصاد الإيرانى فى ظل العقوبات
الاقتصادية الدولية الجديدة عليها ومدى قدرتها على مواجهة هذه العقوبات اقتصاديا فى
كل القطاعات الاقتصادية. ثم تطرق التقرير إلى أزمة القطاع المالي العالمي ومحاولات
إصلاحه من قبل الحكومات المركزية ومدى استجابة هذه القطاعات لإجراءات الإصلاح،
وكذلك تأثير أزمة القطاع المالي على قطاع السيارات العالمي والذي يرى التقرير أنها
أدت إلى انتقال الثقل فى هذه الصناعة من الغرب إلى الشرق حيث قارة آسيا.